ابن حزم

159

الاحكام

تعالى خائسا ، وهذا كفر ممن أجازه ، فصح أنه لا بد من وجوده لمن يسره الله تعالى لفهمه ، وبالله تعالى التوفيق . والوجه الرابع : أن يكون أحد النصين حاظرا لما أبيح في النص الآخر بأسره أي يكون أحدهما موجبا والآخر مسقطا لما وجب في هذا النص بأسره . قال علي : فالواجب في هذا النوع أن ننظر إلى النص الموافق لما كنا عليه لو لم يرد واحد منهما فنتركه ونأخذ بالآخر ، لا يجوز غير هذا أصلا وبرهان ذلك أننا على يقين من أننا قد كنا على ما في ذلك الحديث الموافق لمعهود الأصل ، ثم لزمنا يقينا للعمل بالامر الوارد بخلاف ما كنا عليه بلا شك فقد صح عندنا يقينا إخراجنا عما كنا عليه ، ثم لم يصح عندنا نسخ ذلك الأمر الزائد الوارد بخلاف معهود الأصل ، ولا يجوز لنا أن نترك يقينا بشك ، ولا أن نخالف الحقيقة للظن ، وقد نهى الله تعالى عن ذلك فقال : * ( إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ) * وقال : * ( إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون ) * وقال تعالى ذاما لقوم قالوا حاكمين بظنهم : * ( إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين ) * وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإن الظن أكذب الحديث . ولا يحل أن يقال فيما صح وورد الامر به هذا منسوخ إلا بيقين ، ولا يحل أن يترك أمر قد تيقن وروده خوفا أن يكون منسوخا ، ولا أن يقول قائل : لعله منسوخ ، وكيف ونحن على يقين مقطوع به من أن المخالف لمعهود الأصل هو الناسخ بلا شك ولا مرية عند الله تعالى ، برهان ذلك ما قد ذكرناه آنفا من ضمان الله تعالى حفظ الشريعة والذكر المنزل ، فلو جاز أن يكون ناسخ من الدين مشكلا بمنسوخ ، حتى لا يدرى الناسخ من المنسوخ أصلا ، لكان الدين غير محفوظ ، والذكر مضيعا قد تلفت الحامق فيه ، وحاش لله من هذا وقد صح بيقين لا إشكال فيه ، نسخ الموافق لمعهود الأصل من النصين الناقل عن تلك الحال إذ ورد ذلك النص ، فهذا يقين الذي أمر الله تعالى به وأقره ، وأقام الحجة به وأثبت البرهان وجوبه ، ومدعي خلاف هذا كاذب مقطوع بكذبه إذ لا برهان له على دعواه ، إلا الظن ، والله تعالى يقول قل هاتوا برهانكم إن : كنتم صادقين فصح أن من لا برهان له على صحة قوله فليس صادقا فيه أصلا ،